لعنة الحب | ثيودورا وملابس لطخها الحبر | دفتر الغائب



لماذا بدّلتُ ملابسي كلها قبل أن أكتب؟! كأن لعنة ما تلتصق بي أو تلاحقني في رائحتي، ماذا أريد؟ الهرب مني أم (منها)، من ذاتي وروحي، من أفكارى وشطحاتى.. لا أعرف. الهروب هو كل ما أردته، نزعت ملابسي واستبدلتها بأخرى لا أذكُر متى إشتريتها من الأصل، وكأننى قصدتُ تضليل نفسى. لم أجد سوي دفترى وقلمي ملاذاً، فإن شخصاً مثلي لا يملك من التفكير مهرباً سوي بإعادة التفكير! إبتسمت لى الصفحة البيضاء وقالت: "لن تفلح تلك المرة أيضاً، كاتب فاشل، وقلمٌ مقصوفٌ بألف قذيفة، لماذا لا تُجرب أن تكسر رأسك في الحائط..؟ من المؤكد أن للدم معناً أقوي من كل بقع الحِبرِ المنسيّة التي ترسمها كل ليلة".

ـ لعنة أن تختزل العالم في شخصٍ واحد، تراه فلا ترى غيره، وتبحث عن كل شيء فلا تجد سواه. حين تُلاحقك اللعنة تلك فإن الجنون يُصبحُ جزءاً من شخصيتك، ثم تُدرِك مع الزمن أنك قد أصبحتَ تائهاً بالفطرة. الكونُ بحرٌ واسع، وعالمك دوامة وحيدة تجذِبُك إلى هُوّةٍ فاتنة وطريق محتوم.. لقد أدمنتُ هذا الطريق، واظبتُ على السير فيه منذ اللقاء الأول، لم أعرفُ غيره منذ ذلك الحين، أخلصْتُ في إرتياده حتي أصبح يحملُ إسمي ورائحتها السحرية..
قد أبدو للوهلة الأولى وكأننى نادمُ على التيه في عالم ثيودورا، وهو ما ليس صحيحاً بالمرة. فلا يُمكنُ لإنسانٍ أن يندْمَ على وِلادته، ولا يستطيع أحدهم أن يسكُنَ الصحراء وحيداً فقط لأنه يحاول الهروب من منزله، وثيودورا أرضي المُستقلة ووطني الوحيد. فكيف لى أن أُشفي من الغُربة إذا ما قررت الرحيل إلى تِيهٍ جديد؟ ومَن سأُناجي غيرها إن لم أعرف طريق العودة؟! لا أعرف طريقاً سوى الذي تعبُرُ فيه نَسماتُ عطرها، ولا شيء يحرسني منّي إلا عيناها.. لستُ نادماً أبداً، لا أحاول النجاة من الغرق. كل ما في الأمر أنني ما زلت قادر على تذكّر نعمة الشاطئ حتي وأنا في قاع الدوامة.. قد باتَ قلبي يبحثُ عنها في كل دفاتر أفكارى.

ـ يُصبحُ (اللاوصول) أحياناً هو المحطة الأخيرة، نصل أو نتوقع أننا وصلنا، ثم نرفع أيدينا بإستسلام. يصلُ بعضنا مكتوفي الأيدي، أما الآخرون فيحملهم قطارٌ دون تذكرة، إلى تلك النقطة التي تنتهي عندها كل الأحلام. دائرة لا نهائية من الخُذلان، نقاتل في حلباتِها منذ الصرخة الأولى للوجود. نرتدي دروعاً من الوهم، ثم تعجِبُنا، فنشتري مثلها خوذات لرؤوسنا، أو قبعات للرقص ومظلات للمطر. كلٌ حسبما يُريد أن يُنهي مشهده..
تصل إلينا اللعنة في صيغة سؤال صغير لا نعرفُ له إجابة (ماذا حلَّ بِك؟) أو مزحة صغيرة تتعلق بالنقاط السوداء علي رداء أرواحنا. لربما يشتكي (س) فتجد (ص) قد إنهار من البكاء! لقد ألقي عليه لعنة تُشبِهُ تلك التي تركت آثارها على روحه، فلعنة العشق لا تصيب القلوب وحدها، وإنما تُوهِنُ روحَ صاحبها، وتتركه عُرضةً للقتل بواسطة كمانجا صغيرة أو تشيللو مُتجَبِر! " شواء على أنغام الموسيقي"
لقد غيّرتُ ملابسي لأنها ما زالت مُحملة بأطنانٍ من التساؤلات التي تحرق جسدي، أردتُ أن أُطفئ بعضها بسَكْبِ الحِبرِ، لعنة الحب تقتلني وتُكَفِّنُنىْ صفحةٌ بيضاء.. لم تنكسر رأسي، لكنني ما زلت لا أستطيع ترميم روحي.

ليست هناك تعليقات